فخر الدين الرازي

88

تفسير الرازي

عند الإتيان بالطاعات أتم وأكمل ، وترك الأعلى والاقتصار بالأدنى نوع خسران ، فثبت أن الإنسان لا ينفك البتة عن نوع خسران . واعلم أن هذه الآية كالتنبيه على أن الأصل في الإنسان أن يكون في الخسران والخيبة ، وتقريره أن سعادة الإنسان في حب الآخرة والإعراض عن الدنيا ، ثم إن الأسباب الداعية إلى الآخرة خفية ، والأسباب الداعية إلى حب الدنيا ظاهرها ، وهي الحواس الخمس والشهوة والغضب ، فلهذا السبب صار أكثر الخلق مشتغلين بحب الدنيا مستغرقين في طلبها ، فكانوا في الخسران والبوار ، فإن قيل : إنه تعالى قال في سورة التين : * ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ) * فهناك يدل على أن الابتداء من الكمال والانتهاء إلى النقصان ، وههنا يدل على أن الابتداء من النقصان والانتهاء إلى الكمال ، فكيف وجه الجمع ؟ قلنا : المذكور في سورة التين أحوال البدن ، وههنا أحوال النفس فلا تناقض بين القولين . * ( إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ باِلصَّبْرِ ) * . قوله تعالى : * ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * . اعلم أن الإيمان والأعمال الصالحة قد تقدم تفسيرهما مراراً ، ثم ههنا مسائل : المسألة الأولى : احتج من قال : العمل غير داخل في مسمى الإيمان ، بأن الله تعالى عطف عمل الصالحات على الإيمان ، ولو كان عمل الصالحات داخلاً في مسمى الإيمان لكان ذلك تكريراً ولا يمكن أن يقال : هذا التكرير واقع في القرآن ، كقوله تعالى : * ( وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ) * وقوله : * ( وملائكته وجبريل وميكال ) * لأنا نقول هناك : إنما حسن ، لأن إعادته تدل على كونه أشرف أنواع ذلك الكلي ، وعمل الصالحات ليس أشرف أنواع الأمور المسماة بالإيمان ، فبطل هذا التأويل . قال الحليمي : هذا التكرير واقع لا محالة ، لأن الإيمان وإن لم يشتمل على عمل الصالحات ، لكن قوله : * ( وعملوا الصالحات ) * يشتمل على الإيمان ، فيكون قوله : * ( وعملوا الصالحات ) * مغنياً عن ذكر قوله : * ( الذين آمنوا ) * وأيضاً فقوله : * ( وعملوا الصالحات ) * يشتمل على قوله : * ( وتواصوا بالحق ، وتواصوا بالصبر ) * فوجب أن يكون ذلك تكراراً ، أجاب الأولون وقالوا : إنا لا نمنع ورود التكرير لأجل التأكيد ، لكن الأصل عدمه ، وهذا القدر يكفي في الاستدلال . المسألة الثانية : احتج القاطعون بوعيد الفساق بهذه الآية ، قالوا : الآية دلت على أن الإنسان في الخسارة مطلقاً ، ثم استثنى : * ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * والمعلق على الشرطين مفقود عند فقد أحدهما ، فعلمنا أن من لم يحصل له الإيمان والأعمال الصالحة ، لا بد وأن يكون في الخسار في الدنيا وفي الآخرة ، ولما كان المستجمع لهاتين الخصلتين في غاية القلة ، وكان الخسار